كلمة الممثلة الخاصة للأمين العام في ليبيا، السيدة هانا تيتيه، في الجلسة الافتتاحية للحوار المهيكل- 14 ديسمبر 2025

SRSG Hanna Tetteh speaking at the opening of the Structured Dialogue

السلام عليكم

أعضاء الحوار المهيكل الموقرون

أرحب بكم أشد الترحيب في الاجتماع الافتتاحي للحوار المهيكل، وأشكركم على قبولكم المشاركة في هذا المسعى الوطني الهام. ويسعدني أننا تمكنّا من الاجتماع هنا في طرابلس، إذ من المهم أن تُجرى مناقشات حول ليبيا داخل ليبيا.

استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2796 لسنة 2025، يُعدّ الحوار المهيكل ركيزة أساسية في خارطة الطريق التي تُيسّرها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والتي أعلنتُها للشعب الليبي ومجلس الأمن في 21 آب/ أغسطس 2025. ويوفر الحوار المهيكل منبراً شاملاً يُمكّن شرائح أوسع من المجتمع الليبي من المشاركة والمساهمة في صياغة برنامج العمل الوطني ومستقبل بلدكم.

يسرني أن أكون هنا اليوم مع مجموعة متنوعة من الليبيين المخلصين من مختلف أنحاء البلاد، وعددهم 124 شخصاً، منهم 81 رجلاً و43 امرأة و13 من الشباب، بالإضافة إلى ممثلين عن مختلف المكونات الثقافية واللغوية وأشخاص من ذوي الإعاقة، والذين لا يمكننا أن نعبر بشكل كافٍ عن آراء المجتمع الليبي من غير الاستماع إلى أصواتهم. ويعكس تكوين هذه المجموعة التنوع الثري لليبيا، حيث يساهم كل فرد بتجربته الفريدة ووجهات نظره الخاصة حول الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة وحقوق الإنسان.

لقد تم اختيار هذه المجموعة المتميزة من الأفراد، والتي تشكل النساء منها 35 بالمائة (34.6%)، بناءً على عملية دقيقة بدأت بطلب البعثة ترشيحات من عدد من المؤسسات، بما في ذلك البلديات والأحزاب السياسية والجامعات والمؤسسات الفنية والأمنية الوطنية والكيانات الثقافية وغيرها من الكيانات المتخصصة والفئات المجتمعية. إضافةً إلى ذلك، تلقت البعثة أكثر من ألف ترشيح طوعي من أفراد مهتمين بالحوار. ومن خلال هذه الترشيحات ودوائرنا القائمة، جمعنا هذه المجموعة المرموقة من الأفراد، الذين تم اختيارهم بناء على خبرتهم في مجال تخصصهم وقدرتهم على تجاوز الخلافات وبناء التوافق وتفضيلهم المصالح الوطنية على مصالحهم الشخصية.

ونُقرّ بأنّ بعض الليبيين الراغبين في المشاركة، والذين يمتلكون مواهب قيّمة، لم يُضمّنوا في الحوار، فكما نعلم جميعاً، فإن ليبيا تزخر بإمكانيات هائلة تتجاوز ما يمكن أن يتسع له العدد الإجمالي البالغ 124. ولهؤلاء أقول، أرجوكم استمروا في المشاركة. تفضلوا بزيارة موقع البعثة الألكتروني، وشاركوا بآرائكم وأفكاركم، وانخرطوا في استطلاعات الرأي والمناقشات الرقمية معنا، فهذه العملية هي لكم بقدر ما هي لألموجودين على الطاولة اليوم. كما نُقرّ أيضاً بأن هناك آخرين لم يتمكنوا من المشاركة بسبب ظروف سياسية. ونأمل، في حال تغيّرت الظروف، أن نتمكن من إشراكهم في الحوار.

اسمحوا لي أن أبدأ أولاً بشرح، من وجهة نظر البعثة وكما رحب مجلس الأمن، لماذا رأينا أنه من المهم إجراء حوار مهيكل.

إن إيصال صوت الشعب الليبي هو أحد الأهداف الأساسية التي يقوم عليها المسار السياسي الذي تُيسّره البعثة. وينبع هذا من قناعتنا الراسخة بأنّ نجاح أي مسار سياسي يتطلب أن يُرسم من قِبل الليبيين أنفسهم، وأن يعكس تطلعاتهم وآراءهم. ويتجلى هذا المبدأ أيضاً في قرارات مجلس الأمن المتعاقبة التي أكدت على ضرورة وجود مسار سياسي شامل تقوده ليبيا، وتمسك بزمامه، وأشدد على كلمة أن يكون حوارًا شاملاً تيسّره البعثة.

ولهذا السبب أيضاً، وفي وقت سابق من هذا العام، وبعد أن بروز مختنق حول القوانين الانتخابية، شكلت البعثة لجنة استشارية ضمت 20 خبيراً ليبياً مرموقاً، يمثلون خلفيات متنوعة ولكنهم متحدون في رؤيتهم الوطنية وواجبهم الوطني، لتقديم المشورة لنا بشأن كيفية التغلب على القضايا الخلافية في الإطار الانتخابي.

ثم نُشر تقرير اللجنة الاستشارية وتوصياتها، واستُخدمت كأساس للمشاورات الوطنية التي أجرتها البعثة - المباشرة منها أو الافتراضية أو عبر استطلاعات الرأي الإلكترونية - والتي ساهمت في بلورة خارطة الطريق التي تيسرها البعثة والتي أعلنتُها للشعب الليبي ومجلس الأمن. وكان الهدف من المسار الذي اتبعناه هو ضمان أن تكون خارطة طريقنا خارطة طريق ليبية، تستند إلى أولوياتكم.

ومن هنا كان الحوار المهيكل استجابةً لمطالب غالبية الليبيين الذين التقينا بهم في غمار هذه المشاورات، والذين رغبوا في رؤية عملية سياسية أكثر شمولاً، يشارك فيها عموم الليبيين وتُسمع أصواتهم. ويهدف هذا الحوار إلى توفير منبر آمن لمختلف شرائح المجتمع الليبي للتعبير عن رأي موحد بشأن مستقبل بلادكم.

أعضاء الحوار المهيكل الموقرون،

إن الحوار المهيكل يتم بتيسير ودعم من البعثة، ولكنه في جوهره مساحة للحوار الليبي- الليبي. فالبعثة توفر المنبر والإطار العام والهيكل والدعم اللوجستي والموضوعي لإطلاق النقاش. لكن النقاش نفسه، والأهم من ذلك، نتائجه، يعتمد عليكم أنتم، المشاركين المجتمعين في هذه القاعة اليوم، وجميع الليبيين الذين سيشاركون عبر القنوات الأخرى التي سنعلن عنها لاحقًا.

سيُقسّم الحوار إلى المحاور الأربعة التالية، وستُعقد جلساته بالتتابع على مدار فترة تتراوح بين أربعة وستة أشهر، بدءاً من كانون الثاني/ يناير 2026. وهذه المحاور هي:

  • الحوكمة

  • الاقتصاد

  • الأمن

  • المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان

ويهدف الحوار إلى وضع مجموعة من (1) التوصيات الملموسة بشأن القضايا العاجلة في مجال السياسة العامة والحوكمة لتهيئة بيئة مواتية للانتخابات، و(2) المقترحات السياسية والتشريعية لمعالجة دوافع النزاع طويلة الأمد بهدف صياغة رؤية وطنية موحدة ترسم مسار الاستقرار.

وهذا الحوار سيكون محدداً بأجل زمني ويركز على تحقيق النتائج المنشودة، وسيكون فرصة لليبيين من كافة المشارب للانخراط في نقاشات متعمقة حول الوضع الراهن في البلاد والمسار المستقبلي لها.

ومع انطلاق الاستعدادات لهذا الحوار المهيكل، ألهمتنا رؤية هذا العدد الكبير من الليبيين الذين أبدوا اهتماماً في الانضمام للعملية والإسهام فيها. وأعلم أن هناك الكثيرين ممن ليسوا حاضرين اليوم ممن يرغبوا في المشاركة، ونحن، كبعثة، ملتزمون بتهيئة الفرص لإشراك شرائح أوسع من الشعب على مدار هذه العملية - إلى جانب الحاضرين داخل القاعة - إذ إن هذا كفيل بإضفاء قوة أكبر على نتائج الحوار المهيكل.

وقد تم إنشاء تجمع نسائي ليرافق أعضاء الحوار المهيكل ويمكّنهم من التشاور مع النساء في عموم ليبيا. كما أعدت النساء الليبيات ميثاقاً خاصاً بهن وأولوياتهن وتوصياتهن حول المحاور الأربعة للحوار المهيكل.

وقد أعدت منصة رقمية للشباب لتعزيز المشاركة الفاعلة للشباب بخلاف أولئك الجالسين حول طاولة الحوار ولإثراء الحديث من خلال نقل آرائهم وآمالهم إليه. ويمكن للشباب من جميع أنحاء ليبيا الانضمام لهذه المنصة لطرح آرائهم ومساءلة الممثلين عن الشباب.

أما عن ذوي الإعاقة فالتشاور جارٍ معهم لضمان تضمين أولوياتهم على النحو الواجب. وقد يسّرت الأمم المتحدة في ليبيا مؤخراً نقاشات خلصت إلى حزمة من التوصيات التي تتناول المحاور الأربعة.

وستكون الحوارات الرقمية الدورية والاستطلاعات عبر الانترنت وغيرها من اللقاءات التي ستتكرر طوال عملية الحوار المهيكل لكي تمكننا من الاستفادة من المداخلات وإثراء النقاشات من خلالها. ويعكس البث المباشر لأجزاء من مداولات اليوم حرصنا على إطلاع الشعب الليبي بنفس القدر والمشاركة في النقاشات حتى وإن لم يكونوا حاضرين في هذه القاعة.

إيماناً بمبادئ الأمم المتحدة، سيكون الحوار المهيكل على أكبر قدر ممكن من الشمول والشفافية ليكون منبراً لمناظرة وطنية وفي الوقت نفسه الحرص على إتاحة مساحة آمنة للمشاركين في الحوار المهيكل على نحو يمكّن من الانخراط في نقاشات صادقة ومنفتحة وبنّاءة.

كما إننا لن نبدأ بالعملية من الصفر. إذ إن هناك كم من الجهود والمسارات الليبية الجديرة بالإشادة والتي أسهمت في النهوض ببعض من المحاور التي سنعمل على مناقشتها ضمن الحوار المهيكل. ونحن ملتزمون بالبناء على هذه الجهود ونعتزم الاستعانة بخبراء ليبيين آخرين كمرجعية طيلة سير العملية.

وتيسيراً للنقاشات الدائرة ضمن الحوار المهيكل، أطلقت البعثة استطلاعاً عبر الانترنت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر وأجرت جلستين من الحوار الرقمي وحوار عبر تطبيق الزوم وذلك للاستماع لآراء الليبيين حول ما يودون أن تتناوله هذه العملية. وسوف نطرح ذلك ونطلعكم على المزيد من التفاصيل حول النتائج التي خلصت إليها تلك الاستطلاعات في وقت لاحق اليوم.

أعضاء الحوار المهيكل الأفاضل

لقد كرر مجلس الأمن تأكيده ضمن قراراته المتوالية على دعمه لعملية يقودها الليبيون ويمسكون بزمامها، وولاية البعثة واضحة فيما يتعلق بالمساعدة في تهيئة الظروف لانتخابات تتمتع بالمصداقية وتوحيد المؤسسات وإحراز تقدم في المصالحة الوطنية. ويمثل الحوار المهيكل عنصراً محورياً في هذا الجهد.

في هذه العملية من التشاور والحوار، نأمل أن تُسهم النتائج في تحسين حالة الحوكمة وإرساء أسس تعزيز السلام والاستقرار. وفي أي بلد توجد فيه بعثة سياسية أو لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة، يوجد ضمنيًا رأي للمجتمع الدولي بأن غياب هذه البعثة قد يُؤدي إلى تدهور الأوضاع السياسية والأمنية في ذلك البلد، ليس فقط على مستوى البلد نفسه، بل على مستوى السلام والأمن الدوليين، ولا سيما أمن جيرانه والمنطقة ككل.

للتغلب على هذا الوضع، لا بد من وجود حكومة تمارس سلطتها على البلاد، وقادرة على صون السلام والاستقرار داخل حدودها. ولا يتحقق السلام والاستقرار بالقوة فحسب، بل أيضاً بالحكم الرشيد الذي يضع مصالح المواطنين وسكان البلاد في المقام الأول، وذلك من خلال إدارة مواردها المالية بحكمة، وتوفير الخدمات العامة الضرورية، والسعي إلى تعزيز التنمية. إضافةً إلى ذلك، يُتوقع من هذه الحكومة حماية مصالح جميع مواطنيها، وجميع المقيمين داخل حدودها، مع احترام حقوقهم الإنسانية. وأخيراً، في ظل بيئة عالمية مترابطة، يُتوقع من هذه الحكومة أيضاً مراعاة تداعيات أفعالها أو تقاعسها على الدول المجاورة والمجتمع الدولي ككل.

يُتيح هذا الحوار لكم، الحاضرين اليوم، ولمن سيشاركون عبر الإنترنت وفي الفعاليات اللاحقة، فرصةً للمساهمة بأفكار تُعزز الحكم الرشيد في ليبيا، وتُسهّل عودتها إلى مزيد من الاستقرار والازدهار، إذ أن ليبيا السلمية والمزدهرة والقوية لها دورٌ هامٌ في العالم. لذا، نشجعكم على التركيز والواقعية في صياغة توصياتكم، مع مراعاة ما يجب على الليبيين فعله بدعم من المجتمع الدولي لتحقيق النتائج المرجوة.

ورغم الانقسام والاستقطاب المتزايد في البلاد، إلا أنه ومما رأيناه وسمعناه، ندرك أن وحدة الصف هي ما يميز أصوات الناس سواء في رغبتهم برؤية البلاد وهي تبدأ صفحة جديدة وإخراجها من دوامة المراحل الانتقالية التي لا نهاية لها. فالوحدة حاضرة في الرغبة برؤية البلاد موحدة وسيادتها وسلامة أراضيها مصانة، حيث يمكن لليبيين اختيار قيادات مسؤولة عبر الانتخابات والنظر في الاحتياجات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية الملحة للشعب عبر حكم رشيد مسؤول. فالقوة الجمعية للأصوات الواحدة هي ما يحض على التغيير ورسم المستقبل.

وآمل أنه من خلال نقاشاتنا التي ستجري خلال الأشهر القليلة المقبلة، بأننا سنتمكن من استحضار هذه العناصر التي توحد المجتمع الليبي ووضعها في المقدمة واتخاذ خطوات ملموسة للمضي بالنقاش قدماً.

وقبل الختام، أؤكد مجدداً على أن سلامة المشاركين وأمنهم أمران يحتلان أهمية قصوى بالنسبة لنا. أما عن مدونة قواعد السلوك التي التزمتم بها مسبقاً، والتي سنوقع عليها معاً بعد قليل فإنها تبين بوضوح بأن أي تصرف ينافي هذه المدونة قد يؤدي إلى طلب مغادرتكم من الحوار المهيكل. فالبيئة الآمنة التي ترفل بالاحترام والشمول وتتيح المشاركة الهادفة دون خوف من الانتقام أمر محوري في بناء ليبيا يمكن للجميع فيها الإسهام على قدم المساواة في إحلال السلام والاستقرار ورسم مستقبل البلاد.

واسمحوا لي في ختام حديثي أن أعبر عن تقديري لكم لإبدائكم الرغبة والاستعداد للإسهام في هذا الجهد. فالحسّ القيادي الذي يميزكم والتزامكم وصدقكم مع سير عجلة الحوار أمور لا يمكن الاستهانة بها. دوركم بالغ الأهمية، وأنا شخصياً بل وفريقي أيضاً نتطلع للعمل معكم خلال الأشهر المقبلة.

وختاماً، أود الإشارة إلى حضور السفراء وممثلي دول لجنة المتابعة الدولية المعنية بليبيا، فحضورهم اليوم دلالة على دعمهم لجهودكم. وأود كذلك أن أتقدم بالشكر للدول المانحة فبفضل مساهماتهم تمت الترتيبات اللوجستية لحفل الافتتاح اليوم.